اللهم من أراد بمصر و أهلها خيراً فوفقه الى كل خير ومن أراد بمصر و أهلها شراً فاجعل كيده فى نحره و تدبيره فى تدميره و أهلكه كما أهلكت عاداً وثمود.. آمين
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الهجرة ومقدماتها

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3908
تاريخ التسجيل : 27/02/2013
العمر : 27
الموقع : https://www.facebook.com/aljenral.tito?ref=tn_tnmn

مُساهمةموضوع: الهجرة ومقدماتها   الجمعة مايو 24, 2013 1:46 am







د. يحي إبراهيم اليحي
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
أما بعد:
فهذا هو الكتاب الرابع من سلسلة (دروس وعبر من سيرة خير البشر)، وقد ابتدأته بالحديث عن عام (الحزن) فمنه ابتدأ خط المقاومة والإيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم ينحو منحًى جديدًا فقد ذهب الذي كانت تداريه قريش وتخشى منه وهو عمه أبو طالب، فصبت جام غضبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت تلحق به من أصناف الأذى مما لم يكن يعرفه في حياة عمه، ثم ذهب الذي كان يواسيه ويسري عنه ويصبره وهي زوجته (خديجة) رضي الله عنها وأرضاها، فجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحث عن محضن جديد ومقر آمن لدعوته، فكانت رحلته إلى الطائف، ثم عَرْضُ الإسلام على أهل المدينة، الذي أفرز بيعتي العقبة، وما تلاها من التخطيط للهجرة إلى أن هاجر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عام الحزن
بعد نقض الصحيفة بيسير أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب الذي كان يحوطه ويدافع عنه، ثم توفيت زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت خير سند له، ووقفت بجانبه تطمئنه وتثبته من أول يوم نزل فيه الوحي، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك حزناً شديداً، حتى سمي ذلك العام بعام الحزن.
عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبً مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ))().
عن سيعد بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (التوبة: 113)، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56) ))().
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ: (( قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ))().
الدروس والعظات:
1- ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم المحن بأنواعها وابتلي بأصناف البلاء، وها هو يبتلى في وفاة زوجته التي تشكل حماية داخلية له بعد الله تعالى، فهي الذراع الحاني تطمئنه وتواصيه وتصبره، وتمسح عنه النكد والتعب الذي يلاقيه من قريش، وفي العام نفسه ابتلي بوفاة عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه.
2- لقد تخطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع العقبات في طريق دعوته، فلم تقف أي عقبة مهما عظمت في سبيله، فضلاً أن تقعده عن دعوته، فما عرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الحزن خور أو ضعف أو فتور عن متابعة رسالته، على الرغم من عظم المصيبة وهول الخطب.
3- من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة المرضى وبذل الخير لهم وإن كان من أهل الشرك والكفر كما زار عمه وهو مشرك وزار غلاماً يهودياً، وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة المريض فقال: (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ ))()، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: (( عَادَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه: أَعَائِدًا جِئْتَ أَمْ زَائِرًا؟ قَالَ: لا، بَلْ جِئْتُ عَائِدًا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: أَمَا إِنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا إِلا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ إِنْ كَانَ مُصْبِحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِيًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ))().
4- استغلال جميع الفرص والمناسبات في الدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين، فحالة المريض غالباً ما تريه ضعفه وفقره وحاجته إلى خالقه جل وعلا، ولهذا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه في هذه الساعة، كما حرص على هداية غلام يهودي يحتضر، فقد روى أنس رضي الله عنه قَالَ: (( كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ))().
5- مما يوضح جدية هذا الدين، وصدق نبوة سيد المرسلين اهتمامه بهداية المحتضرين، وإلا فماذا سيقدم هؤلاء له إذا أسلموا وهم في مثل هذه الحالة، لو كان مراده من دعوته الدنيا وحطامها.
6- الاهتمام بهداية الناس مهما كانت أحوالهم وأوضاعهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ))().
7- استخدام أسلوب الترجي واللطف مع حسن العرض واللباقة في الخطاب عند دعوة الناس (( يا عم )).
8- احتفاظ الرسول بالأيادي والفضائل التي قدمها له عمه، ولهذا حرص أشد الحرص على هدايته وهذه أعظم مكافأة لو استجاب له فيها نال السعادة الأبدية، وهذه من صفات الرجال الكرام في اعترافهم بالجميل والفضل، وقد نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ))().
9- إن لا إله إلا الله منهج حياة كاملة تنفي كل ما سوى الله من الشركاء والأنداد فلا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، ولهذا أدرك معناها أبو جهل وأبو طالب ومن معهما وعرفوا أنها منهج تغيير كامل في كل الحياة ونبذ كامل لكل المناهج الأرضية والتقاليد والعقائد الموروثة، والتبرء مما سوى الله عز وجل، ولو كان الأمر مجرد كلمة تقال باللسان فقط لأسرعوا إليها دون تردد، أو أنها تعني الاعتراف بوجود الله وأنه الخالق الرازق لقالوها، لأنهم يؤمنون بذلك قبل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهَ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس: 31) وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون: 84 - 89) فعجباً من أناس أبو جهل أعلم منهم بلا إله إلا الله!.
10- ضرر جلساء السوء وخطرهم على الإنسان فقد وقفوا حاجزاً بين أبي طالب وبين السعادة الأبدية وأوقعوه في شر حال وأعظم عذاب، وقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختيار الجليس والصاحب فقال: (( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ))().
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))().
11- تعظيم المشركين لمناهج آبائهم وعاداتهم وتقاليدهم كما قال الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 22).
12- أهل الباطل طبيعتهم التقليد والتبعية العمياء وإلغاء دور العقل وطمس البصيرة والبعد عن التفكير الحر الصادق الطليق، ولهذا لم يحاوروا رسول الله لأنهم لا يملكون أي أداة للحوار أو المناظرة وليس عندهم حجج يناظرون عليها سوى التقليد الأعمى لآبائهم.
13- ثقل مخلفات الماضي وتقاليده على كبار السن، ولهذا خشي أبو طالب من تعيير قريش لو قال لا إله إلا الله.
14- وظيفة الداعي هي فتح الطريق أمام الناس للهداية وترغيبهم فيها ودلالتهم عليها، وأما إدخال الناس في الهداية فهذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الخلق وحبيب رب العالمين، ولو كان يملك من هذا شيء لمنَّ به على عمه الذي دافع عنه وصاول من أجله وقد حرص صلى الله عليه وسلّم حرصاً شديداً على هدايته، فهداية التوفيق إلى الله جل وعلا.
15- الفرق بين هداية الدلالة والإرشاد والبيان التي أثبتها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشعراء: 52)، وبين هداية التوفيق والتي نفاها عنه ربه... {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56).
16- إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من وطئ الثرى وأظلت السماء.. رسول رب العالمين وسيد المرسلين لا يملك أن يهدي من أحب وهو عمه الذي واساه بنفسه وماله، فكيف بنظيره من الخلق! وكيف بالذي يطلب الهداية والنصرة والتأييد والاستعانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته! قال الله عز وجل في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ} (الأعراف: 188)، وقال جل وعلا: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً} (الجن: 21) وكيف ممن يطلبونها ممن هو دون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنـزلة والمكانة من ربه جل وعلا!؟
17- لقد قطع الله جميع أواصر الصلة والحب بين أهل التوحيد وأهل الإشراك ولم يبق إلا صلة العقيدة ورباط التوحيد {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113).
18- أهمية تلقين المحتضر شهادة أن لا إله إلا الله لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ))().
رحلة الطائف:
اشتدّ أذى قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه، فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الله ويطلب منهم أن ينصروه ويؤووه حتى يبلغ رسالة ربه، فلم يجد عندهم خيراً ولا ناصراً، وآذوه أشد الأذى ونالوا منه مالم ينله قومه، وأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا له صفين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، فانصرف منهم مغمومًا محزونًا().
عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: (( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))().
الدروس والعظات:
1- اهتمام عائشة رضي الله عنها بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عاناه من البلاء والتعب والمحن في تبليغ الدعوة.
2- لقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المحن والفتن التي تنـزل بالداعي أثناء تبليغ دعوته أعظم وأشد من القتال والإصابات والجراح وقتل الأقارب في ميادين الجهاد.
3- إن دين الإسلام لا يتعلق بقوم ولا بوطن بعينه، فقد رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب البقاع إليه وهي مكة إلى الطائف من أجل البحث عن محضن جديد لدعوته حيث ردها أهل مكة.
4- في رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم الى الطائف بيان أن المسلم الداعي لا ينبغي له الركود في بقعة بعينها، سواء كانت البقعة فاضلة أو غير فاضلة إن لم يستطع أن يبلغ دينه ويقوم بدعوته، ولا ينبغي أن يتعذر بفضل المكان وشرفه (( فإن البقاع لا تقدس أحداً إنما يقدس الإنسان عمله )).
5- بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (( إذ عرضت نفسي... )) أن الداعي مهما كان معه من الحق والخير، ومهما كانت منـزلته وفضله، ومهما ارتفع قدره وعظم إيمانه، ومهما كان صلاحه وعلو مكانته، فهو المسؤول عن دعوته وعرض ما لديه من الخير على الناس وطلب من ينصره ويؤازره ويأويه، فلا ينتظر الناس أن يقدموا عليه أو يفتشوا عما لديه.
6- تأمل قبح الرد الذي واجه به أهل الطائف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفيستكثر أذى وشدة وعنف صب على أحد من المخلصين بعده! إن كثيراً من الأخيار الطيبين لا مانع عنده من القيام بأمر الدعوة إذا توفر البيت الفسيح والمركب المريح والزوجة الصالحة!!
7- تصور ذلك الجهد الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته، وذلك التعب الذي لحقه فقد جرى مهموماً على وجهه بعد ذلك الرد القبيح فلم يستفق إلا بقرن الثعالب القريب من مسجد الخيف في منى()، أي أنه جرى على قدميه الشريفتين قرابة مائة كيلو متر، لم يَعِ نفسه من شدة الهمّ لدينه إلا بعد تلك المسافة الطويلة.
8- غيرة الجبار القهار عز وجل على خليله وحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم حيث أرسل إليه الملائكة لمواساته في مصابه.
9- رغم شدة المصاب وعظم الأذى، الذي نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الرغم من شدة الهم والحزن الذي بلغ به من جراء عنت قريش وملاحقتهم له، وقيامهم باضطهاد أصحابه وتعذيبهم، إلا أنه لم يتشف بهم ويطلب من ربه إيقاع العذاب العام عليهم، بل طلب من ربه جل وعلا أن يستأني بهم.
لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحدث البعد عن حظوظ النفس ورغباتها، ومحبة الانتصار لها، وعدم اليأس من هداية الناس مهما كان بعدهم عن الحق والخير.
10- الله أكبر ما أعظم هذا الأمل (( بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )) أي بعد عن العجلة وأي صبر ينبغي أن يتحلى به الداعي إلى الله تعالى بعد ذلك، إنه انتظار ما في الأصلاب ليعبدوا الله لا يشركون به شيئاً، وما أكثر الذين يستبطئون النتائج، ويستعجلون حسناتهم في حياتهم الدنيا.
11- إن الهم كل الهم هو في تحقيق عبودية الله تعالى وحده لا شريك له، ليس للمخلصين هدف آخر من متاع الدنيا الزائل وعرضها الفاني.
الإسراء والمعراج:
كان الإسراء والمعراج مواساة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حينما لقي من قومه ما لقي من الأذى والعنت بعد وفاة عمه أبي طالب، فأسري بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلى حتى سمع صريف الأقلام.
لقد وردت روايات كثيرة في الإسراء والمعراج وسأقتصر على أصحها وأجمعها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ، قَالَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صلى الله عليه وسلم إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (مريم: 57)، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ صلى الله عليه وسلم فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى صلى الله عليه وسلم فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ))().
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم )).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولانِ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ )).
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ))().
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ ))().
وعن جَابِر بنَ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ))().
روى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ فَظِعْتُ بِأَمْرِي وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ فَقَعَدَ مُعْتَزِلاً حَزِينًا قَالَ: فَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَمْ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ زَعَمَ قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ، فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ ))().
الدروس والعظات:
1- لقد شق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة: مرة في طفولته لاستخراج العلقة وحظ الشيطان منه، ومرة أخرى لتهيئته للتلقي الحاصل في هذه الليلة العظيمة بعدما أفرغ في صدره الإيمان والحكمة.
قال ابن حجر عن شق صدره صلى الله عليه وسلم: (( الأول أخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولة فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند إرادة البعث زيادة في إكرامه لِيتلقَّى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهر، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة ))().
2- بركة ماء زمزم وفضله ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ماء زمزم. بأنه (( طعام طعم ))() (( وشفاء سقم ))()، (( ماء زمزم لما شرب له ))().
3- الإسراء والمعراج معجزة ودلالة من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
4- أهمية بيت المقدس وارتباطه بأهل التوحيد وأهل الإسلام على مدار التاريخ، فللتوحيد بني ومن أجل التوحيد أنشئ.
5- الارتباط الوثيق بين المسجدين: المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصلى الأنبياء عليهم السلام، والمسجد الحرام أول بيت وضع للناس: قبلة المسلمين وإليها حجهم، وفيه بيان ما يجب على المسلم من المحافظة على تلك البقاع الطاهرة.
6- صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء دلالة على علو منـزلته وكمال فضله، وختام رسالته لجميع الرسالات وأن شريعته آخر الشرائع وناسخة ما قبلها، وأن دين الأنبياء واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت شرائعهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ))().
كما أن فيها تأكيداً لأواصر القربى بين الأنبياء كافةً، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل لتتمة البناء الذي بدأوه سابقاً، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ: أَلا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ ))().
7- قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: (( اخترت الفطرة )) بيان أن الإسلام هو دين الفطرة، وهو الحنيفية السمحة المنسجم مع طبيعة الإنسان وقد وضع عن أهله الأغلال والشدائد والمصاعب التي كانت على من قبلهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف:157)، وحين نرى انحرافاً وخروجاً عن هذا الدين فهذا دلالة على فساد الفطرة، فالفطرة تشبه اللبن لكونه على طبيعته لم يتغير، وأما الخمر فناتج من تغير كيماوي من العنب أو التمر أو غيره من عناصر الخمر.
8- استفتاح جبريل عليه السلام عند كل سماء وإفصاحه عن اسمه وعن من معه دلالة على أدب الاستئذان، وأن المستأذن ينبغي له أن يفصح عن اسمه، ولهذا كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول المستأذن: (( أنا )) كما روى البخاري عن جابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: أَنَا، أَنَا، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا ))().
9- إن قصة البيت المعمور في السماء السابعة وكثرة الداخلين المتعبدين عنده من الملائكة، وهم عباد مكرمون لا يعصونه وهم بأمره يعملون، لحرية أن تدعو بني آدم المقصرين أبناء المقصرين، المذنبين أبناء المذنبين إلى أن يؤوبوا ويرجعوا ويستحيوا من الله تعالى.
10- استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء كما فعل الأنبياء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
11- أهمية الصلاة وعظم شأنها، فقد فرضت من بين أركان الإسلام في السماء السابعة فكانت الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأصبحت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، روي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ )).
فكان يصلي ويطيل القيام حتى انتفخت قدماه الشريفتان، كما روى مسلم في صحيحه عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا )).
وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز من البكاء، كما روى أحمد أبو داود والترمذي وابن ماجة عنْ ثَابِتٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ صلى الله عليه وسلم ))().
فالصلاة معراج للمسلم إلى ربه جل وعلا، ومنقية من الذنوب وناهية له عن الفحشاء والمنكر {وأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ}(العنكبوت: 45).
12- أن موسى عليه الصلاة والسلام وهو في الرفيق الأعلى يهمه شأن الناس وإن لم يكونوا من أمته وإن كانوا من غير قومه، فليلة المعراج حين فرض على نبينا صلى الله عليه وسلم الصلاة يلقاه موسى فيسائله ويقول له بهمٍّ شديدٍ: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، ويكرر الطلب مرات، فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك، فيخفف الله عن هذه الأمة ما شاء أن يخفف.
تساءل معي ما الذي يعني موسى من صلاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما الذي يكرثه أطاقت ذلك أم لم تطق؟ إنه الاهتمام بالناس إنه الحرص على نفعهم والإحسان إليهم، إن أنبياء الله والصالحين من عباده لا يعيشون لأنفسهم وإنما يعيشون بهمّ الأمة ومن أجل مصلحتها.
13- وفي قصة موسى مع نبينا صلى الله عليه وسلم دلالة على أهمية بذل النصيحة لمن احتاج إليها وإن لم يطلب منه ذلك.
14- وفي قول موسى عليه السلام: (( لقد بلوت بني إسلائيل قبلك )) دلالة على أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة.
15- عظم فضل الله على هذه الأمة فقد خفف عنها من صلاتها وأبقى لها أجرها كاملاً.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-emam.ahlamontada.com
 
الهجرة ومقدماتها
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الامام :: الاقسام الاسلامية :: السنة النبوية-
انتقل الى: